محمد هادي معرفة
189
التمهيد في علوم القرآن
وترجيع ، سواء أطرب أم لا . قال الشاعر في حمامة : إذا هي غنّت أبهت النّاس حسنها * وأطرق إجلالا لها كلّ حاذق فلا يمكن أن يقال : إنّ كل صوت كان ذا تأثير فهو محرّم ، ولا أنّ كل صوت حسن بتركيب نغماته - بحيث يميل إليه الطبع - حرام . لما ورد في قراءة السجّاد ( عليه السّلام ) كانت ذات تأثير بالغ . وقد أمر النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) أن يقرأ القرآن بصوت حسن والتغنّي فيه . وقد رخّص في الحداء مع أنه مركّب من نغمات صوتية مؤثّرة ، وصدق التغنّي والغناء على جميع ذلك بلا ريب . قال : فلا بدّ إمّا من الذهاب مذهب الشيخ في الاستبصار بحمل أخبار المنع على ملابساته لا على نفسه ، أو تختصّ الحرمة بنوع منه ، وهو ما يثير إلى الفحشاء وارتكاب الحرام ، فيكون حراما لأنه سبب للحرام . قال : وهو المنصرف إليه من إطلاق الروايات وعبارات الفقهاء الأقدمين « 1 » . وللمحقّق المولى السبزواري استدلال لطيف على اختصاص التحريم بالغناء الذي كان شائعا ذلك العهد ، وذلك للانصراف وعدم قرينة على إرادة الاطلاق ، بعد عدم تمامية مقدّمات الحكمة والحال هذه . قال : الغناء - في روايات المنع - مفرد معرّف باللام ، وهو بذاته لا يدلّ على الشمول لغة ، لأنّ العموم إنما يثبت حيث لا قرينة على إرادة الخاصّ أو بعض أنواع العام ، لأنّ إرادة البعض حينذاك ينافي غرض الإفادة وسياق البيان والحكمة ، فلا بدّ من حمله على الاستغراق والشمول . . . وهاهنا ليس الأمر كذلك ، لأنّ الشائع في ذلك الزمان كان هو الغناء على سبيل اللهو ، من الجواري المغنّيات وغيرهنّ في مجالس الفجور والخمور وغيرها ، فحمل اللفظ
--> ( 1 ) الوافي : ج 3 م 10 ص 36 - 38 .